حمل هذا العدد معه أحلام الكاتب و هواجسه ، فكان عملا فياضا و مليئا بعنفوان الرغبة في الكتابة . لم يكن مثاليا بالطبع ، لأنه لا وجود لعمل فني مثالي ، لكنه كان متكاملا و مشيدا على أسس متماسكة و متينة .
تخيل معي عزيزي القارئ، قصة خيال علمي تدور أحداثها في مستقبل بعيد ، حول فريق أمني تونسي يعمل ضمن جهاز سري ، مهمته حماية البلاد من الأخطار الخارجية و إحباط العمليات التي يمكن أن تمس من كرامة الدولة و تزعزع أمنها !
لنكن صرحاء : ستضحك لبرهة و تتردد قليلا لأن عقلك الباطني سيحاول إقناعك بأن هذا "هراء" ، لكن فضولك الشديد سيرغمك على إكتشاف هذا العالم العجيب و حينها سوف تكتشف أنك كنت على صواب عندما إقتنيت هذا العدد بالذات و غامرت بقراءة قصته الشيقة اللذيذة .
الرهان هنا كبير جدا ، لأنني أنا (و كاتب العمل ، و الناشر أيضا و البشرية جمعاء) نعرف أنك ، عزيزي القارئ ، ملم بكل ما كتب و أنجز في مجال الخيال العلمي ، و بأنك لن تكون سهل الإقناع لأنك : (تفهملها مليح في ال sci-fi ) . كيف لا و أنت الذي نهلت من أفلام وكتب حرب النجوم و روايات ملف المستقبل و غيرهم من الأعمال المشابهة و المتشابهة منذ نعومة أظافرك .
لكنك و بالرغم من هذا ، ستعجب هنا بالحبكة ، و ستحب جرعة "الأكشن" التي ستنالها منذ بدء الرواية ، و ستقع في غرام الشخصيات المحورية لما تتسم به من عظمة ، من جرأة و مروءة . و ستستنتج أن هذا الكتاب رائع للغاية و جدير بأن يحظى باهتمامك لأنه عمل فني جميل و متقن للغاية .
سوف يقنعك الكاتب ، من خلال سلاسة أسلوبه و قدرته الإنسيابية الهائلة في الكتابة ، بأنك فرد من أفراد الفريق و ستعيش المغامرة معهم ، حيث ستنغمس في قلب الأحداث و كأنك ترتدي نظارات ثلاثية الأبعاد أو كأنك فصلت بشكل كلي عن هذا العالم و انتقلت إلى عالم موازي أو بعد آخر كليا.
كيف لي أن أعرف ؟ هه ، بما أنني أخاطبك بكل صراحة ، فيسعدني أن أقول لك أنني (مثلك تماما) ضحكت و ترددت و ابتسمت ببلاهة عندما أمسكت الرواية لأول مرة ، كيف لا و أنا "أبو العريف" الذي هيأت له نفسه بأن هذا الكاتب (أو هذا العدد ) لن ينال منه مهما كان ، لكنه أذهلني للأمانة و فاقت مهارته مستوى توقعاتي و استطاعت أن تخترق سقفها العالي أيضا . ذلك أنه يكتب بتفان و إخلاص مبهرين جدا .
و مادمنا في كنف الصراحة التامة ، فيجدر بي أن أقدم للكاتب بعض الملاحظات : بعض الشخصيات تفتقر إلى الوضوح و ليس محبذا الخوض في غمار أنفسها و تحليلها بهذا المستوى من العمق منذ العدد الأول . بعض التسميات للتكنولوجيا المستعملة لا تتناسق مع الإطار الزماني للقصة ، حيث انها تظهر قديمة بعض الشيء . و الإهتمام بالهوامش بإمكانه الترفيع من مستوى الرواية و السلسلة بشكل عام ، لأنه وقع إهمالها قليلا مع تطور الأحداث . ما عدا هذا ، فإننا شهدت من خلال ما قرأت ولادة مشروع كاتب عظيم ، متشبع بأصل الرواية و الكتابة السليمة و قادر على إضفاء المزيد من الإبداع و إثراء المشهد الثقافي التونسي و العربي أيضا . كاتب نجح في الهروب من فخ التقليد و حلق عاليا في سماء التجديد كنسر شامخ ذو جناحين ذهبيين .
عاطف الحاتمي هو هدية ربانية للقراء و إكتشاف جليل ، و أنا متأكد بأنه يعمل على التطوير من نفسه و من أدائه و قادم أعماله ستكون متفردة في الفخامة و رفعة المستوى و سيكون له مستقبل واعد إن شاء الله لأنه و بلا شك مؤلف عبقري و متجدد الفكر .
أرشح لكم هذا العدد و هذه السلسلة لأنها ستفيدكم و تمتعكم و ترجع لكم ذكريات الصبى و الأهم هو أنها : ستنعش خيال أطفالكم و تجعلهم يحلمون بغد أفضل ، ستشعرهم بقيمة الوطن و أهمية رمزيته و الدفاع عنه و ستظهر لهم أسمى معاني الإنتماء و أن المستحيل ليس تونسيا و لن يكون تونسيا .
لقد أكملت قراءة العدد الثاني ، و سأراجعه أيضا ، عن قريب .